الثعالبي

12

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

قال * ع * : وهذه المسألة إذا تؤملت ، قرب الخلاف فيها من الاتفاق ، وذلك أن الله تعالى قسم آي الكتاب قسمين محكما ومتشابها ، فالمحكم هو المتضح المعنى لكل من يفهم كلام العرب ، لا يحتاج فيه إلى نظر ، ولا يتعلق به شئ يلبس ، ويستوي في علمه الراسخ وغيره ، والمتشابه على نوعين ، منه : ما لا يعلم البتة ، كأمر الروح ، وآماد المغيبات التي قد أعلم الله بوقوعها إلى سائر ذلك ، ومنه : ما يحمل على وجوه في اللغة ، ومناح في كلام العرب ، فيتأول ، ويعلم تأويله ، ولا يسمى أحد راسخا إلا أن يعلم من هذا النوع كثيرا ، بحسب ما قدر له ، فمن قال : إن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه ، فمراده النوع الثاني الذي ذكرناه ، ومن قال : إن الراسخين لا يعلمون تأويله ، فمراده النوع الأول ، كأمر الروح ، ووقت الساعة ، لكن تخصيصه المتشابه بهذا النوع غير صحيح ، بل هو نوعان ، كما ذكرنا ، والضمير في ( تأويله ) عائد على جميع متشابه القرآن ، وهما نوعان ، كما ذكرنا ، والرسوخ : الثبوت في الشئ ، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الراسخين في العلم ، فقال : " هو من برت يمينه ، وصدق لسانه ، واستقام قلبه " ، قلت : ومن " جامع العتبية " ، وسئل مالك عن تفسير الراسخين في العلم ، فقال : العالمون العاملون بما علموا ، المتبعون له ، قال ابن رشد : قول مالك هذا هو معنى ما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : من الراسخ في العلم ؟ فقال : " من برت يمينه ، وصدق لسانه ، / واستقام به قلبه ، وعف بطنه ، فذلك الراسخ في العلم " ، قال ابن رشد : ويشهد لصحة هذا قول الله ( عز وجل ) : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) [ فاطر : 28 ] ، لأنه كلام يدل على أن من لم يخش الله ، فليس بعالم . انتهى . قلت : وقد جاء في فضل العلم آثار كثيرة ، فمن أحسنها : ما رواه أبو عمر بن عبد البر بسنده ، عن معاذ بن جبل ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعلموا العلم ، فإن تعليمه لله خشية ، وطلبه عبادة ، ومذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة ، لأنه معالم الحلال والحرام ، ومنار سبل أهل الجنة ، وهو الأنيس في الوحشة ، والصاحب في الغربة ، والمحدث في الخلوة ، والدليل على السراء والضراء ، والسلاح على الأعداء ، والزين عند الأخلاء ، ويرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتص آثارهم ، ويقتدى بفعالهم ، وينتهي إلى رأيهم ، وترغب الملائكة في خلتهم ،